ابن تيمية
84
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
لا يصونه والأم تصونه لم يلتفت إلى اختيار الصبي ، فإنه ضعيف العقل ، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد ، ويكون الصبي قصده الفجور ومعاشرة الفجار ، وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة ، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه ، والآخر يذوده ويصلحه ، ومتى كان كذلك فلا ريب أنه لا يمكن ممن يفسد معه حاله ، ولهذا قال أصحاب الشافعي وأحمد : إنه لا حضانة لفاسق ، وكذلك قال الحسن بن حيي ، وقال مالك : كل من له الحضانة من أب أو ذات رحم أو عصبة ليس له كفاية ولا موضعه بحرز ، ولا يؤمن في نفسه فلا حضانة له ، والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد ، وينظر للولد في ذلك بالذي هو أكفأ وأحرز ، فرب والد يضيع ولده ، وكذلك قالوا ، وهذا لفظ القاضي أبو يعلي في خلافه ، إنما يكون التخيير بين أبوين مأمونين عليه يعلم أنه لا ضرر عليه من كونه عند واحد منهما ، فأما من لا يقوم بأمره ويخليه للعب فلا يثبت التخيير في حقه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر ؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته ، والآخر عاص لله ورسوله فلا يقدم من يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله ، ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب أو يفعل معه الحرام قدم من يفعل الواجب ولو اختار الصبي غيره ، بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال . بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له ، بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب ، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب ، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين يحصل طاعة الله ورسوله في حقه ، ومع حصوله عند الآخر لا يحصل له ، قدم الأول قطعًا ، وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم .